ابن أبي الحديد
44
شرح نهج البلاغة
يجوز عند الشيعة وعند أصحابنا أيضا أن يقول الانسان كلاما ظاهر الكذب على جهة المعاريض ، فلا وصمة على عمر إذا كان حلف أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمت ، ولا وصمة عليه في قوله بعد حضور لابن أبي بكر وتلاوة ما تلا ، كأني لم أسمعها ، أو قد تيقنت الان وفاته صلى الله عليه ، لأنه أراد بهذا القول الأخير تشييد القول الأول ، وكان هو الصواب ، وكان من سيئ الرأي وقبيحه أن يقول : إنما قلته تسكينا لكم ، ولم أقله عن اعتقاد ، فالذي بدأ به حسن وصواب ، والذي ختم به أحسن وأصوب . وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب ، ، السقيفة ، ، عن عمر بن شبة عن محمد بن منصور ، عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، قال : كان النبي صلى الله عليه وآله قد بعث أبا سفيان ساعيا ( 1 ) فرجع من سعايته ، وقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلقيه قوم فسألهم ، فقالوا : مات رسول الله صلى الله عليه ، فقال : من ولى بعده ؟ قيل : أبو بكر ، قال : أبو فضيل ! قالوا : نعم ، قال : فما فعل المستضعفان : على والعباس ! أما والذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما . قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز وذكر الراوي - وهو جعفر بن سليمان - أن أبا سفيان قال شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال : إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ! قال : فكلم عمر أبا بكر ، فقال : إن أبا سفيان قد قدم ، وإنا لا نأمن شره ، فدع له ما في يده ، فتركه فرضى . وروى أحمد بن عبد العزيز أن أبا سفيان ، قال لما بويع عثمان : كان هذا الامر في تيم ، وأنى لتيم هذا الامر ! ثم صار إلى عدى فأبعد وأبعد ، ثم رجعت إلى منازلها ، واستقر الامر قراره ، فتلقفوها تلقف الكرة .
--> ( 1 ) السعاية : مباشرة أعمال الصدقات .